الشيخ محمد رشيد رضا

212

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فقال ان هذا ليس بزمانها انها اليوم مقبولة ، ولكنه قد يوشك أن يأتي زمانها تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا ، أو قال فلا يقبل منكم ، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ) الآية ، قال كانوا عند عبد اللّه بن مسعود فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد اللّه ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر ؟ فقال آخر إلى جنبه عليك بنفسك ، فان اللّه يقول ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) الآية ، قال فسمعها ابن مسعود فقال : مه لم يجئ تأويل هذه بعد ، ان القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيسير ، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ، ما ذكر من الحساب والجنة والنار ، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فاءمروا وانهوا ، وإذا اختلفت القلوب والأهواء ، وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فاءمر نفسك ، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية ، رواه ابن جرير وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا شبابة بن سوار حدثنا الربيع بن صبيح عن سفيان بن عقال قال قيل لابن عمر لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه فان اللّه قال ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فقال ابن عمر انها ليست لي ولا لأصحابي ، لان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ألا ليبلغ الشاهد الغائب » فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ان قالوا لم يقبل منهم وقال أيضا حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم قالا حدثنا عوف عن سوار بن منبه قال كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد في العين شديد اللسان فقال يا أبا عبد الرحمن نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه ،